أحمد ايبش

122

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

وهذا الفصل من كتابه هام لدراسة الشّام ومصر في النصف الأول من القرن الثامن الهجري ، إبّان ذروة النهضة الحضارية لمصر والشّام في عهد دولة المماليك البحرية ، وبخاصّة عهد السّلطان النّاصر محمد ابن المنصور قلاوون ، الذي تسلطن بولايته الثالثة بين 709 - 741 ه . وعلى ذلك فهو أول نصّ مفصّل عن القطرين في دولة المماليك الأولى يصلنا من كاتب معاصر لها . ثم إنه عند كلامه على الشّام ومدنها تحدّث عن دمشق ، وهذا الفصل من أحسن ما وصفت به المدينة في القرن الثامن ، فقد فاق ما كتبه عنها آنذاك النّويري في « نهاية الأرب » ، وشيخ الرّبوة في « نخبة الدهر » ، وأبو الفداء في « تقويم البلدان » ، وابن عبد الحق البغدادي في « مراصد الاطّلاع » ، بل هو فاق ما كتبه ابن بطّوطة في القرن نفسه من بعض النّواحي . ولا يضارعه في جمال صورته وأناقة عبارته إلا ما كتبه أبو البقاء البدري عن دمشق في القرن التاسع . ونقل العمري عن التّيفاشي في كتابه « سرور النّفس » بعض ما يتعلّق بتاريخ دمشق ، غير أن نص التّيفاشي نفسه منقول عن ابن عساكر ، ولا ندري لماذا لم ينقل عنه رأسا . ثم أضاف إلى ذلك موادا من عنده هي ثمرة معرفته وملاحظته الخاصّة ، فذكر ما فيها من الوظائف ، وخزائن السلاح ، والصّنّاع ، ووصف المباني ، والدّيار ، والبساتين ، والحواضر ، والأنهار ، والقلعة . وكذلك خصّ القصر الأبلق الذي شاده الملك الظاهر بيپرس بوصف دقيق ، ووصفه الشّيّق هذا يعدّ - من بعد وصف الحميري - أهم وثاني أقدم ذكر له . هذا وسنرى أدناه أن القلقشندي نقل عن العمري غالب وصفه لدمشق بلفظه ، ولم يضف إليه شيئا ذا شأن رآه هو بنفسه ، رغم أن وفاته تتأخر عن العمري بما يقرب من سبعين عاما . وعلى هذا فإن كثيرا مما ذكره القلقشندي عن البلدان في صبح الأعشى لا يمثّل عصره تماما ، لأنه نقل عمّن سبقه ولم يضف شيئا جديدا . بينما نرى الوصف الذي كتبه العمري عن دمشق ولم ينقله عن غيره غنيا صادقا وأصيلا ، نلمس فيه الدّقة كما تظهر لنا فيه شخصية كاتبه .